الشنقيطي

241

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

لم يبين هنا قدر هذا النصيب الّذي هو للرجال والنساء مما ترك الوالدان والأقربون ، ولكنّه بيّنه في آيات المواريث كقوله : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [ النساء : 11 ] الآيتين ، وقوله في خاتمة هذه السورة الكريمة : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [ النساء : 176 ] . قوله تعالى : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [ 11 ] . لم يبيّن هنا حكمة تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث مع أنّهما سواء في القرابة . ولكنّه أشار إلى ذلك في موضع آخر وهو قوله تعالى : الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ [ النساء : 34 ] لأنّ القائم على غيره المنفق ماله عليه مترقّب للنقص دائما ، والمقوم عليه المنفق عليه المال مترّقب للزيادة دائما ، والحكمة في إيثار مترقّب النقص على مترقّب الزيادة جبرا لنقصة المترقّب ظاهرة جدّا . قوله تعالى : فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ [ 11 ] الآية . صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأنّ البنات إن كنّ ثلاثا فصاعدا ، فلهنّ الثلثان وقوله : فَوْقَ اثْنَتَيْنِ يوهم أن الاثنتين ليستا كذلك ، وصرّح بأنّ الواحدة لها النصف ، ويفهم منه أنّ الاثنتين ليستا كذلك أيضا ، وعليه ففي دلالة الآية على قدر ميراث البنتين إجمال . وقد أشار تعالى في موضعين إلى أنّ هذا الظرف لا مفهوم مخالفة له ، وأنّ للبنتين الثلثين أيضا . الأوّل : قوله تعالى : لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ؛ إذ الذكر يرث مع الواحدة الثلثين بلا نزاع ، فلا بدّ أن يكون للبنتين الثلثان في صورة ، وإلّا لم يكن للذكر مثل حظّ الأنثيين ؛ لأنّ الثلثين ليسا بحظّ لهما أصلا ، لكن تلك الصورة ليست صورة الاجتماع ، إذ ما من صورة يجتمع فيها الابنتان مع الذكر ويكون لهما الثلثان ، فتعيّن أن تكون صورة انفرادهما عن الذكر . واعتراض بعضهم هذا الاستدلال بلزوم الدور قائلا : إن معرفة أنّ للذكر الثلثين في الصورة المذكورة تتوقّف على معرفة حظّ الأنثيين ؛ لأنّه ما علم من الآية إلّا أنّ للذكر مثل حظّ الأنثيين . فلو كانت معرفة حظّ الأنثيين مستخرجة من حظّ الذكر لزم الدور ساقط ؛ لأنّ المستخرج هو الحظّ المعيّن للأنثيين وهو الثلثان ، والذي يتوقّف عليه معرفة حظّ الذكر هو معرفة حظّ الأنثيين مطلقا ، فلا دور لانفكاك الجهة . واعترضه بعضهم أيضا بأن للابن مع البنتين النصف ، فيدلّ على أنّ فرضهما النصف ، ويؤيّد الأوّل أنّ البنتين